المعجزة الإنسانية
الصماء البكماء العمياء.. هيلين كيلر!!
نجت تلك الطفلة الرضيعة، التي أصيبت بالعمى من الموت. لكنها فقدت ثلاث حواس أساسية: السمع والبصر وبالتالي القدرة على الكلام. لقد عجزت أسرة الطفلة عن تقديم العون لها، رغم أنها من العائلات الأمريكية المعروفة بثرائها وتحضرها. فلم يكن بمقدور الأطباء مساعدة هذه الطفلة على استعادت القدرة على الكلام والسمع والبصر.. ولم يكن بمقدور هذه الأسرة سوى الرضى بحكمة الله وقدرته!عاشت (هيلين كيلر) في طفولتها حياة مليئة بالشفقة والحزن والألم والرعاية العاجزة. نشأت على نمط بهيمي في الاهتمامات: تأكل، تنام، تشرب، تحصل على ما تشتهيه، وتفعل ما يلوج في خواطر عقلها. وحينما لا تحصل على شيء ما، أو لم تفهم ما تريد ممن حولها فإنها تصاب بنوبات غضب جنونية فتضرب، تكسر، تصرخ، تبكي.وفي السابعة من عمرها قامت العائلة بإحضار معلمة ومربية لطفلتهم الخرساء البكماء الصماء. لقد كانت المهمة شبه مستحيلة على تلك الشابة الصغيرة ذات الواحد والعشرين ربيعاً؛ لكن المعلمة (آن سوليفان) رفضت الانهزام، وبدأت البداية الصحيحة: لقد أحبت هيلين. أحبتها بصدق وبعمق على الرغم من كل صفاتها. لقد كانت تنظر إليها بعينين ملؤهما الأمل والعزم والحنان!كانت (آن) تردد في أعماقها: «هيلين يا حبيبتي يجب أن تعيشي حياة أفضل! يجب أن تخرجي من قوقعتك! أعلم أنك تملكين القدرة والذكاء وأنني املك الرغبة والعزم».كانت هيلين مزعجة جداً بسبب أن من حولها كان يشفق عليها إلى حد تدليلها الدلال الأعمى. فحرصت معلمتها على تغيير سلوكياتها السلبية، وقامت بتعويدها على سلسلة من السلوكيات التي لم ترضخ لها هيلين بسهولة. لقد كان ترويضها صعباً جداً لما تتميز به من عناد وافتعال للغضب؛ فقد بلغ عنادها أن صفعت معلمتها فبادلتها الصفعة مؤكدة لها أنها ندٌ لها وليست أقل في شيء ولذلك ستحاسب على كل فعل ويجب أن تتحمل مسؤولية تصرفاتها كاملة.ورويداً رويداً اعتادت هيلين على الجلوس بأدب عند تناول الطعام، وأن تأكل بالملعقة، ولا مناص لها من ملء إبريق الماء أن سكبته على الأرض.بعد ذلك بدأت المعلمة الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تعليم هيلين لغة الأنامل، وهي لغة تعتمد على كتابة الأحرف على الكف بلمسات معينة ومختلفة. وبعد محاولات مضنية، أدركت المعلمة أن هيلين لا تملك أبداً أي معنى حسي في رأسها لهذه الكلمة أو تلك. ولحل هذه المعضلة راحت المعلمة تجول بصغيرتها في الحقول والبراري وفناء المنزل وعلى الطرقات. وتجعلها تلمس بأصابعها كل شيء وتتعرف على ملامحه ثم تكتب لها
على كفها اسمه لكي تتعلم هيلين ذلك!لقد حاولت هيلين أن تربط بين الكلمة ومعناها الحسي الملموس.. وأثناء ما كانت تلعب بالماء كأي طفلة
مرحة، جاءت العناية الربانية الرائعة لتفتح أبواب الحياة على هيلين وكأن رقة الماء ببرودته وملمسه، دفعتها إلى إزالة الستار عن عقلها فقفز المعنى إلى واجهة وعيها فكتبته بلا وعي على كف معلمتها. لم تصدق (آن) ما فهمته من أصابع هيلين وتأكدت منها فإذا بها تكتب «ماء»/Water. بكت (آن) من الفرحة لأنها نجحت أخيراً.واستمرت هيلين برفقة معلمتها، فعلمتها لغة (برايل) وأنهت الدراسة الأساسية ثم الدراسة الجامعية. نعم فقد كانت تذهب برفقة معلمتها (آن) التي كانت تقوم بترجمة كل ما يقال في القاعة وكتابته على كف هيلين.أصبحت هيلين كاتبة شهيرة وذاع صيتها في القارات الست حين نالت جائزة نوبل في الآداب. وقد كتبت على يد معلمتها العديد من الروايات العالمية والتي ترجمت إلى العديد من اللغات.لقد أحيت هيلين الأمل في قلوب من حولها من المعاقين واليائسين سواء ذوي الإعاقة الجسدية أو النفسية.لقد أنشأت المدارس المتخصصة، والمنتديات الرائدة، وصالت وجالت تحدث الناس بلغتها المتواضعة التي تعلمتها من وضع أصابعها على شفتي وحلق معلمتها ثم تقليد الاهتزاز. تحدثت بتلك اللغة المقبولة عن معاني التفاؤل والحياة الكريمة والجمال وكسر قيود الروح!!أخيراً، إن لم يكن لديك يد كالسيدة (آن) تأخذك من ضعفك فجاهد أن تكون قوياً مثلها تأخذ بيد من حولك!
في الثلاثينات من القرن الماضي قامت هيلين بجولات متكررة في مختلف أرجاء العالم في رحلة دعائية لصالح المعوقين للحديث عنهم وجمع الأموال اللازمة لمساعدتهم، كما عملت على إنشاء كلية لتعليم المعوقين وتأهيلهم، وراحت الدرجات الفخرية والأوسمة تنهال عليها من مختلف البلدان.
ألفت هيلين عشرة كتب منها كتاب ( أضواء في ظلامي) وكتاب (قصة حياتي في 23 فصلا و132صفحة في 1902) ، وكانت وفاتها عام 1968م عن ثمانية وثمانين عاماً, ونامت ولم تستيقظ.
بعض ما كتبته هيلين كيلر في كتاب قصة حياتي.. بلغة العربية بعد الترجمة:
ماذا لو أبصرت ثلاثة أيام, في اليوم الأول أحب أن أرى من هم وقفوا بجانبي وجعلوا من حياتي شيء يستحق الذكر بعطفهم لي وسوف أمعن النظر طويلاً في محيا أستاذتي آن سوليفان التي فتحت لي هذا العالم الجديد, بالنسبة لي وسوف لا تكون رؤية عابرة ولا من أجل الاحتفاظ بذكراها ولكني سوف أدرس ذلك الوجه جيداً لأقرأ فيه علامات الود والعطف والقوة الذي جعلها تقف أمام المصاعب بعيون مليئة بالرحمة والشفقة ,,
أما اليوم الثاني سوف أستيقظ مع خيوط الشمس لأرى معجزة انسلاخ الليل عن النهار وتحول تلك الطبيعة من عالم مظلم إلى عالم مشرق , سأقف أمام هذا المنظر البديع بإجلال وخشوع, أما اليوم الأخير سوف يكون في
الحدائق وبين الناس لأرى جمال الطبيعة ونعمة الخالق وأزور الناس في بيوتهم البسيطة وأعيش معهم لحظات
السعادة والرضى والدفء والحب .
المراجع:
1-The Story of My Life by Helen Keller
2-Optimism by Helen Keller
3-Three Days to See by Helen Keller
الصماء البكماء العمياء.. هيلين كيلر!!
نجت تلك الطفلة الرضيعة، التي أصيبت بالعمى من الموت. لكنها فقدت ثلاث حواس أساسية: السمع والبصر وبالتالي القدرة على الكلام. لقد عجزت أسرة الطفلة عن تقديم العون لها، رغم أنها من العائلات الأمريكية المعروفة بثرائها وتحضرها. فلم يكن بمقدور الأطباء مساعدة هذه الطفلة على استعادت القدرة على الكلام والسمع والبصر.. ولم يكن بمقدور هذه الأسرة سوى الرضى بحكمة الله وقدرته!عاشت (هيلين كيلر) في طفولتها حياة مليئة بالشفقة والحزن والألم والرعاية العاجزة. نشأت على نمط بهيمي في الاهتمامات: تأكل، تنام، تشرب، تحصل على ما تشتهيه، وتفعل ما يلوج في خواطر عقلها. وحينما لا تحصل على شيء ما، أو لم تفهم ما تريد ممن حولها فإنها تصاب بنوبات غضب جنونية فتضرب، تكسر، تصرخ، تبكي.وفي السابعة من عمرها قامت العائلة بإحضار معلمة ومربية لطفلتهم الخرساء البكماء الصماء. لقد كانت المهمة شبه مستحيلة على تلك الشابة الصغيرة ذات الواحد والعشرين ربيعاً؛ لكن المعلمة (آن سوليفان) رفضت الانهزام، وبدأت البداية الصحيحة: لقد أحبت هيلين. أحبتها بصدق وبعمق على الرغم من كل صفاتها. لقد كانت تنظر إليها بعينين ملؤهما الأمل والعزم والحنان!كانت (آن) تردد في أعماقها: «هيلين يا حبيبتي يجب أن تعيشي حياة أفضل! يجب أن تخرجي من قوقعتك! أعلم أنك تملكين القدرة والذكاء وأنني املك الرغبة والعزم».كانت هيلين مزعجة جداً بسبب أن من حولها كان يشفق عليها إلى حد تدليلها الدلال الأعمى. فحرصت معلمتها على تغيير سلوكياتها السلبية، وقامت بتعويدها على سلسلة من السلوكيات التي لم ترضخ لها هيلين بسهولة. لقد كان ترويضها صعباً جداً لما تتميز به من عناد وافتعال للغضب؛ فقد بلغ عنادها أن صفعت معلمتها فبادلتها الصفعة مؤكدة لها أنها ندٌ لها وليست أقل في شيء ولذلك ستحاسب على كل فعل ويجب أن تتحمل مسؤولية تصرفاتها كاملة.ورويداً رويداً اعتادت هيلين على الجلوس بأدب عند تناول الطعام، وأن تأكل بالملعقة، ولا مناص لها من ملء إبريق الماء أن سكبته على الأرض.بعد ذلك بدأت المعلمة الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تعليم هيلين لغة الأنامل، وهي لغة تعتمد على كتابة الأحرف على الكف بلمسات معينة ومختلفة. وبعد محاولات مضنية، أدركت المعلمة أن هيلين لا تملك أبداً أي معنى حسي في رأسها لهذه الكلمة أو تلك. ولحل هذه المعضلة راحت المعلمة تجول بصغيرتها في الحقول والبراري وفناء المنزل وعلى الطرقات. وتجعلها تلمس بأصابعها كل شيء وتتعرف على ملامحه ثم تكتب لها
على كفها اسمه لكي تتعلم هيلين ذلك!لقد حاولت هيلين أن تربط بين الكلمة ومعناها الحسي الملموس.. وأثناء ما كانت تلعب بالماء كأي طفلة
مرحة، جاءت العناية الربانية الرائعة لتفتح أبواب الحياة على هيلين وكأن رقة الماء ببرودته وملمسه، دفعتها إلى إزالة الستار عن عقلها فقفز المعنى إلى واجهة وعيها فكتبته بلا وعي على كف معلمتها. لم تصدق (آن) ما فهمته من أصابع هيلين وتأكدت منها فإذا بها تكتب «ماء»/Water. بكت (آن) من الفرحة لأنها نجحت أخيراً.واستمرت هيلين برفقة معلمتها، فعلمتها لغة (برايل) وأنهت الدراسة الأساسية ثم الدراسة الجامعية. نعم فقد كانت تذهب برفقة معلمتها (آن) التي كانت تقوم بترجمة كل ما يقال في القاعة وكتابته على كف هيلين.أصبحت هيلين كاتبة شهيرة وذاع صيتها في القارات الست حين نالت جائزة نوبل في الآداب. وقد كتبت على يد معلمتها العديد من الروايات العالمية والتي ترجمت إلى العديد من اللغات.لقد أحيت هيلين الأمل في قلوب من حولها من المعاقين واليائسين سواء ذوي الإعاقة الجسدية أو النفسية.لقد أنشأت المدارس المتخصصة، والمنتديات الرائدة، وصالت وجالت تحدث الناس بلغتها المتواضعة التي تعلمتها من وضع أصابعها على شفتي وحلق معلمتها ثم تقليد الاهتزاز. تحدثت بتلك اللغة المقبولة عن معاني التفاؤل والحياة الكريمة والجمال وكسر قيود الروح!!أخيراً، إن لم يكن لديك يد كالسيدة (آن) تأخذك من ضعفك فجاهد أن تكون قوياً مثلها تأخذ بيد من حولك!
في الثلاثينات من القرن الماضي قامت هيلين بجولات متكررة في مختلف أرجاء العالم في رحلة دعائية لصالح المعوقين للحديث عنهم وجمع الأموال اللازمة لمساعدتهم، كما عملت على إنشاء كلية لتعليم المعوقين وتأهيلهم، وراحت الدرجات الفخرية والأوسمة تنهال عليها من مختلف البلدان.
ألفت هيلين عشرة كتب منها كتاب ( أضواء في ظلامي) وكتاب (قصة حياتي في 23 فصلا و132صفحة في 1902) ، وكانت وفاتها عام 1968م عن ثمانية وثمانين عاماً, ونامت ولم تستيقظ.
بعض ما كتبته هيلين كيلر في كتاب قصة حياتي.. بلغة العربية بعد الترجمة:
ماذا لو أبصرت ثلاثة أيام, في اليوم الأول أحب أن أرى من هم وقفوا بجانبي وجعلوا من حياتي شيء يستحق الذكر بعطفهم لي وسوف أمعن النظر طويلاً في محيا أستاذتي آن سوليفان التي فتحت لي هذا العالم الجديد, بالنسبة لي وسوف لا تكون رؤية عابرة ولا من أجل الاحتفاظ بذكراها ولكني سوف أدرس ذلك الوجه جيداً لأقرأ فيه علامات الود والعطف والقوة الذي جعلها تقف أمام المصاعب بعيون مليئة بالرحمة والشفقة ,,
أما اليوم الثاني سوف أستيقظ مع خيوط الشمس لأرى معجزة انسلاخ الليل عن النهار وتحول تلك الطبيعة من عالم مظلم إلى عالم مشرق , سأقف أمام هذا المنظر البديع بإجلال وخشوع, أما اليوم الأخير سوف يكون في
الحدائق وبين الناس لأرى جمال الطبيعة ونعمة الخالق وأزور الناس في بيوتهم البسيطة وأعيش معهم لحظات
السعادة والرضى والدفء والحب .
المراجع:
1-The Story of My Life by Helen Keller
2-Optimism by Helen Keller
3-Three Days to See by Helen Keller
الكاتبة: فاتنة نورس مزيد